كورونا من منظور اجتماعي: التداعيات الخطِرة للبطالة في المجتمع اللبناني – الدكتورة ريتا عطالله

الإثنين , 18 أيار 2020
+ -

لم يفُق اللبناني بعد من صدمة إرتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، ومن شحّه في الأسواق، حتّى جاء وباء الكورونا ليفرض عليه حجراً صحيّاً، بسبب خطورة هذا الفيروس الذي اجتاح العالم بأسره، مخلّفاً مئات الآلاف من الضحايا والأرامل والأيتام والجياع، ومسبباً كلفة واضحة على صعيد الإقتصاد العالمي والفردي والصحّي والمالي، نتيجة الكلفة العاليّة لتجهيز المستشفيات بالأسرّة، ورفع درجة استعداداتها إلى أقصى طاقة ممكنة، وتوفير أجهزة التنفس والفحوصات المخبرية ومعدّات التعقيم، فخرّت بلدان كبرى أمام جبروت هذا الوباء المستجد، وانهارت منظومات عالميّة واهتزّت عروش الكثير من الأمم، وفي طليعتها الصين والولايات المتحدة الأميركية وبعض بلدان أوروبا الغربيّة كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتّحدة وإلمانيا، تلك الدول العريقة بطواقمها الطبيّة الحديثة ومعدّاتها الصحيّة المتطوّرة في مكافحة الكثير من الأوبئة والأمراض.

 فما الذي ينتظر اللبناني بعد الكورونا- بعد أن اصبح في إجازة طويلة غير مدفوعة الأجر - التي ستكون لها إرتدادات سلبيّة على الفرد والأسرة والمجتمع، في ظلّ دولة عاجزة عن تقديم إعانات البطالة خصوصا' للعمال المؤقتين أو المياومين الذين فقدوا رزقهم فجأة، وغير قادرة على وضع خطة إقتصادية واضحة لتحفيز النمو، إذ أنّ أعمال الإنتاج تتراجع يوماً بعد يوم، مقابل تزايد مستمر للشركات التي تفلس وتصرف عمالها، فتقف الحكومة مكتوفة اليدين عن تأمين الحدّ الأدنى من الحماية والتقديمات الاجتماعيّة والمادّية للعاطلين عن العمل، وفي ظلّ غياب المؤسّسة الوطنيّة للإستخدام عن تنفيذ المهام المناطة بها؟؟

نسب البطالة والقلق من المستقبل
ممّا لا شك فيه، أنّ ظاهرة البطالة تأتي في مقدّمة تداعيات فيروس الكوفيد19، إذ لطالما كانت واقعا' حاضراً في سياق تطوّر الأوضاع الإجتماعية للبنانيين، فقد بلغت نسبتها 36%، في منتصف عام 2018 حسب دراسة لجمعيّة 'مبادرات وقدرات'. إلّا أنّ هذه النسبة قد تتفاوت بين منطقة وأخرى، في ظل الغياب لأرقام رسمية دقيقة، والتي كان من أبرز أسبابها تدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان، بعد أن وصل عددهم إلى مليون ونصف المليون. كما أنّ هذه الأزمة سوف تتفاقم في الآونة الأخيرة، مما يجعلها صاحبة حضور مجتمعيّ كثيف، تؤثّر في مختلف ديناميّات حياة اللبناني اليوميّة وفي انتظامه المجتمعي، وحتّى في تطلّعاته المستقبليّة لنفسه وللعالم، لأنها تتجاوز المعيوش الفرديّ وتعتبر هذا 'الواقع الفردي'عنصرا' من عناصر المعاش الاسري والمجتمعي، الأمر الذي ينذر بكارثة إجتماعية لا محال.

فعدم الإطمئنان لما يخبئه الغد والغموض الذي يكتنف الوضع وصعوبة الحصول على عمل دائم، بالإضافة إلى خسارة الكثيرين لوظائفهم وانعدام الثقة بالمسؤولين، كل هذه العوامل مجتمعة سوف تسبب ضغطا' نفسياً على المواطن الذي قد يعجز عن تأمين متطلبات العيش الكريمة لأولاده، إذ يقع على عاتق اللبناني الكثير من المستحقات الشهرية الأساسية. فقد تتوزع أبواب الإنفاق الأسري على دفع 'قسط الشقة' أو ايجارها وصيانتها، الأقساط، سند السيارة، النقل والمواصلات، الملبوسات الفواتير المدرسية، الطبابة المزدوجة من كهرباء وماء واتصالات، بالإضافة إلى الإستهلاك اليومي من مواد غذائية وملحقاتها، من دون الدخول في أدنى مستوبات الترفيه كزيارة المقاهي أوالمطاعم في عطلة نهاية الأسبوع للترفيه عن التوتر والقلق الناجمين عن ضغوطات الحياة اليومية...

ضرب الإستقرار الإجتماعي
والواقع أنّ البطالة تجربة مذلّة يكمن خطرها في التأثير على الإستقرار الإجتماعي الأسري، إذ لا يكاد يخلو منزل من فرد في سن العمل غير قادر على إيجاد مورد يرتزق منه أو أقيل من عمله. فالعاطل عن العمل يسعى إلى إيجاد آليات تكيّف جديدة، غالبا' ما تكون محدودة وغير فاعلة، ومن ضمن هذه الآليات لجوئه إلى متنفس الهجرة، بحثا' عن العمل الملائم، أو اقتناص أيّ فرصة عمل أخرى تتوفر له بعيداً عن مواصفاتها وملاءمتها له ولكفاءاته. كما أنّ للبطالة تأثيراتها على الإنتظام المجتمعي وبالتالي ارتفاع متوسط سن الزواج وارتفاع متوسط السن المقبول له إجتماعياً، الإنخفاض في معدلات الخصوبة، هجرة الأدمغة، تزايد الطلب على مشاركة المرأة في العمل المأجور وبالتالي زيادة الأعباء والمسؤليات الملقاة على عاتقها، تراجع أهمية السلطة الهرمية والوالدية، إرتفاع معدّلات الهجرة وخاصة الشبابية، تبدّل في أولويات القيم والثقافة، زيادة وتيرة التهميش الإجتماعي، إنتشار الفوضى والرذيلة وشيوع أعمال الإحتيال والإنحلال الأخلاقي، زيادة معدلات الأفعال الإجرامية والعنف بشقيه الجسدي والمعنوي، السعي وراء بعض أشكال التعويض المتوهم كالإدمان على الكحول أو المخدرات أو تناول المهدئات العصبية أو العقاقير المضادة للإكتئاب، ضبابيّة الحدود بين المحرّم والمحلل، الشعور باليأس والإحباط والعزلة الإجتماعية، الإرتفاع في معدّلات الخلافات الزوجية أوالإنفصال أو الطلاق إذ قد قيل: 'حين يدخل الفقر من الباب يخرج الحب من الشباك'، السرقة والتحرش الجنسي وآفات إجتماعية مختلفة أخطرها الهرب من المدرسة وعدم إكمال الدراسة لأنّ التعليم أصبح بنظر الكثيرين من دون فائدة، بسبب رؤيتهم لخريجي الجامعات والمتعلمين في بيوتهم دون عمل..
كما دلّت دراسات قام بها باحثون في العلوم الإجتماعية والإنسانية، بالإشتراك مع بعض الأطباء، أنّ للبطالة أو للتسريح من الوظيفة الآثار التالية: إرتفاع في العوارض الفيزيولوجية كالإستعداد لانهيار عصبي أو حالات الأرق الحاد،أو الإنخفاض في الوزن، أو الإضطرابات الوظيفية التي يمكن أن تتحوّل إلى اضطرابات في حركة القلب، بالإضافة إلى الشعور بالإنسلاخ والضياع الناتج عن فقدان علاقات الصداقة التي تنشأ في جوّ العمل...

لا شك في أن عدم توفر فرص العمل للراغب في الحصول عليه، هو هدر لطاقات وقدرات بشرية منتجة وفاعلة، وإحدى وسائل زعزعة أمن واستقرار أي مجتمع، لأنّ انتظام العمل يعني الإستقرار وتحقيق التوازن النفسي والعائلي.
كما أنّ هاجس البطالة وعدم القدرة على تأمين الحدّ الأدنى من الموارد المعيشية، هو العامل الأساسي في خلق حالات القلق الإقتصادي، وما ينتج عنها من توتّر نفسي واع أو لا واع، لأنّ الضيق واليأس الناجمين عن قلّة العمل هما أكثر إيلاما' من التعب الناتج عن ممارسة عمل ما. ولا بدّ من الإعتراف بأنّ العمل لا يعتبر عنصرا' من عناصر الإنتاج ومصدرا' للنمو الإقتصادي والفردي، وبالتّالي مدخلا' رئيسيا' لمكافحة الفقر وضمان الإندماج والسلام الإجتماعيين فحسب، بل هو أيضا من العناصر المحدّدة لهويّة الإنسان التي تعطي لحياته معنى وكرامة.

من خلال ما تقدّم، يتضح لنا أنّ تداعيات أزمة الكورونا ستطال العالم أجمع، خصوصا' الطبقات الوسطى التي تشكّل العمود الفقري لكلّ مجتمع، بالإضافة إلى الطبقات الفقيرة التي ستنزلق أكثر نحو خط البؤس والفقر المدقع.

الدكتورة ريتا عطالله باحثة في العلوم الإجتماعية