معادلة أسرية جديدة: مساهمة المرأة في الإنفاق الأسري مقابل مساعدة الزوج في الأعمال المنزلية! ريتا عطالله

السبت , 01 آب 2020
+ -

ما يشهده لبنان حالياً هوأمر غير مسبوق حتى في سنوات الحرب الأهلية القاسية ، فالوضع الإقتصادي بات مزرياً، بعد أن جنحت الطبقة الوسطى نحو خط الفقر وبات شبح الجوع  يهدد الكثير من الأسر التي أخذت ترزخ تحت وطأة الفقر المدقع . 
 إلا أن هذه الأزمة لم تكتف بما أحدثته من شرخ إقتصادي واجتماعي فحسب،إذ غيرت في  بنية المجتمع اللبناني، وألقت بظلها على الطبقة الغنية بعد أن احتجزت المصارف جنى عمرهم، فأخذت العديد من الأسر تعمد على ترحيل العاملة الأجنبية أو إعادتها إلى مكاتب الإستخدام بعد أن اصبحت عاجزة عن دفع مستحقاتها بالعملة الخضراء، في وقت  تراكمت المدفوعات عليها في ظل أزمة البطالة ، إذ فقد العديد من اللبنانيين وظائفهم أو أصبحوا يتقاضون نصف الراتب أو ربعه ،أو بسبب شح الدولار لدى الصرافين المرخصين، أوتحليقه في السوق السوداء، بعد أن ناهز العشرة آلاف ليرة لبنانية في الأسابيع المنصرمة، مما أدى إلى لجوء العاملات الأجنبيات إلى السفارة أو القنصلية التي ينتمين إليها، أو للتسول في الشوارع، أو لذنَ  بالفرار بعد أن أغلقت أبواب الأمل في وجوههن.

لا شك في أن الكثير من النساء يستقدمن العاملة الأجنبية من أجل الحاجة فيما هناك العديدات ممن يعتمدنها كثقافة البرستيج. لكن السؤال الذي يطرح اليوم على بساط البحث والذي تتداوله الكثير من النساء العاملات في جلساتهن اليومية مع الجارات أو الصديقات أو الأهل هو حول كيفية التوفيق بين العمل المنزلي اللامتناهي وبين العمل المأجور الذي لا غنى عنه، في ظل أزمة اقتصادية خانقة ،خاصة وأن المنزل بالنسبة للرجل الشرقي هو مكان للراحة أو فندق للإستجمام ،خصوصا بالنسبة لأولئك الذين يعودون مثقلين إلى بيوتهم بعد يوم عمل طويل وشاق، مما يخلق مواجهة صامتة وباردة بين الشريكين .لذلك على الرجل أن يقتنع بضرورة المساهمة في الأعمال المنزلية وفي تربية الأطفال وتدريسهم مما يشير إلى عدم التصلب في الهوية وإلى اعادة التفاعل مع المتغيرات، الأمرالذي يساهم في الإختفاء التدريجي لتقييم محدد للعمل تبعا للذكورة والأنوثة.   

لقد اصبحت مسؤولية التعاون والمشاركة في الأعمال المنزلية مطلوبة من الزوج، بعد دخول المرأة سوق العمل ومساهمتها في الإنفاق على المصاريف المنزلية، من أجل تحسين ورفع مستوى الأسرة الإقتصادي والإجتماعي، في الوقت الذي  تتزاحم الأعباء والمهمات عليها ، لكن  دون إجباره على ذلك ،لأن الرجل الشرقي غالبا ما  يتصف بالعناد، فيستكبر عن مساعدة زوجته في تدبير شؤون المنزل، إذ يعتبر أن هذه المساعدة  ليست من اختصاصه أو عيبا، أو قد تقلل من كرامته وتنتقص من رجوليته ،أو تسبب له الإحراج، خصوصا أمام أهله أو أصحابه، الأمر الذي يخلق لدى المرأة الإحساس بنكران فضلها وجميلها.  لذلك فمن المفترض على الزوجة أن تطلب المساعدة من شريك حياتها بطريقة لطيفة وطيبة كي يمد يد العون لها، فلا يؤدي ذلك إلى خلق شرخ بينهما.

 بالمقابل هناك الكثير من الرجال المتفهمين، لا سيما أولئك الذين يمارسون مهناً تتطلب الإختلاط مع الجنس اللطيف ،كما أن هناك العديد من الرجال ممن اعتادوا تدبير أمورهم بأنفسهم، خلال فترة العزوبة الطويلة أو اثناء فترة سفرهم للتخصص في الخارج.

مما لا شك فيه أن المشاركة بين الزوجين في الأعمال المنزلية  تؤثر إيجاباً على علاقتهما ، وتظهر مدى حب الرجل لإمراته وخوفه عليها وتقديره لجهودها البدنية، فيولد ذلك الفعل إحساسا بالمساواة والعدل والرضا، ويزيد من الألفة والتلاحم والتراحم والمودة، ويسير بالأسرة قدماً إلى الامام، ويخلق شعوراً بالرضا والعدل في الحقوق والواجبات بين الشريكين، ويرفع من معدل ثقة المرأة بنفسها وتقديرها لذاتها، ويغرس في نفوس الأولاد هذه المبادئ فيساهم في تغيير العادات ونظرة المجتمع إلى العمل المنزلي باعتباره عمل أنثوي وعديم القيمة .كما أنه سيترك الأثر الكبير في نفوس الأولاد الذين سينشاؤن على مبادىء الشعور بالآخر والرغبة في المساعدة والتعاون، بالإضافة إلى المساهمة في تغيير الموروث الإجتماعي الذي ترعرع عليه الكثير من الرجال، فيتخلص المجتمع بذلك من العادات والتقاليد البالية والعقلية الذكورية التقليدية التي لطالما اعتبرت أن المرأة خلقت لخدمة الرجل .
 
من خلال ما تقدم، يمكن القول إن دخول المرأة سوق العمل واتساع الفرص التعليمية والمهنية أمامها، وعجزها عن القيام بمسؤولياتها قد تحدث نوعا من التكيف داخل الأسرة، في مجال تقسيم العمل المنزلي، وفي دورالرجل في مسالة تربية الأولاد والعناية بهم وتدريسهم، فيتسبب ذلك في ظهور سياسات وممارسات لأنماط العمل الودودة عائلياً، للتوأمة مع احتياجات الزوجين اللذين يمارسان العمل في وقت واحد.

*ريتا عطالله - حائزة دكتراه في علم الإجتماع