المرحلة الانتقالية انتهت: كيف سيكون نظام لبنان الجديد؟ - بقلم الباحثة سنا سعد

الجمعة , 21 آب 2020
+ -

zahlepolitics- تسودُ إتجاهات اليوم مُطالبة بتغيير الطبقة السياسيّة الحاكمة في لبنان. بعد الثورات اللاعنفيّة المُلّونة التي إعتمدت في 2005 ثورة الارز وثورة 2019-2020 التي بدأت في 17 تشرين بسبب الأزمة الاقتصاديّة العاصفة بلبنان و التي أذهلت العالم، لكن بعد مجزرة تفجيرمرفأ بيروت، وتسويات قرار المحكمة الخاصّة بلبنان غير النهائي عدالة أم سلام الذي سيليه تغيير السّلطة المُرتقب تطرح تساؤلات هل سيكون الآتي أقل فساداً من أسلافه؟

لقد ساهمت المحكمة الخاصّة بلبنان بمسيرة بناء السلام بعد تعذّر وعدم رغبة باللجوء للمحكمة الجنائيّة الدوليّة ولعدم توقيع لبنان على نظام روما الأساسي. نظراً للفساد الذي يطبع الأنظمة القضائيّة بالدول المُتخلّفة حيث المُجتمعات تثق بمحاكمها المحليّة، مما يستوجب توعية وإعادة هيكلة واستراتيجية إنجاز كي لا تستمر المُحاكمات الى الأبد، وتأمين تمويل المحكمة من صندوق الأمم المتحدة أسوة بباقي الدول بدل تحميل لبنان المُنهار و المُنهك مليار دولار.

الوطن ضاقت به الأحوال بسوء الادارة و جهلها بالإستراتيجيّة والحوكمة فهو قاصر عن تنفيذ إصلاح، مما يستوجب تدخلاً تقنياً لإخراجه من إنغلاقه القسري و تخلّفه. بسبب لعنة الجُغرافيا والتّاريخ يجد نفسه كدولة حاجز في ظلّ التنافس العالميّ والإقليميّ بين المحاور المُتصارعة وباءت سيرورة تحوّل النّظام السّياسيّ الى رقي الدولة الطائفيّة المتعبّدة للزعماء بالفشل. جوع وبطالة وغلاء، أسعار فاحش وعوز و لا مُساءلة، فيروس كوفيد 19، لا ماء، لا كهرباء، لا مواصلات ولا إتصالات، تمويل ثورات مُضادة لقتل الثوار بالرّصاص المطّاطي و الحي والخردق بسياسة أمصال مُضادّة لدحض المُعارضة والتعبير عن الرأي الرافض للتمجيد و التبخير، لا أمن بيئيا، جباية ضرائب وخوّة دون مُقابل بل الدولة تُشارك المُواطن حتى أملاكه و لُقمة عيشه، فئات تدفع إفتقرت وفئات معفيّة إغتنت تتمتّع بالمشاعات والأوقاف، لا صرف صحيا، لا أمن قوميا، لا إستشفاء، لا ضمان صحي، لا حماية ولا وقاية تحوطية أو إستباقية، لا أدوية، لا تعليم، إقتصاد ظل موازي، فوارق طبقيّة، لا زراعة لا صناعة لا خدمات لا سياحة، وغياب للتخطيط و إمتناع عن التنفيذ مُمنهج لتركيع المُواطنين وإفقارهم لإذعانهم وإستتباعهم بالفراغ الإستراتيجي في قوس الأزمات بغياب التوازن الإقليمي وللإستئثار بالقرار بغياب الوعي واليقين و تلاعب بوجه لبنان الحضاري وميثاقيّته وتوافقيّته وتعدّديته ومعالمه وتُراثه التاريخي، إستزلام وصراعات وتنافسات على موقع إقليمي عند مُفترق الطرق العالميّة بين قارات ثلاث، مركز بدائرة الشرق الأوسط، سباق للنفوذ على ثروة لبنان النفطيّة و موانئه، إرهاب وترهيب لا نأي بالنفس وحياد بل مواقف مُلتبسة إصطفاف سياسي وإنقسام عمودي دمّر الإستقرار، لا عدل و عدالة إقتصادية إجتماعية سياسيّة، تفاعل الدولة العميقة مع الخارج بدل الداخل المُمزّق لتوزيع السُلطة على مقاسها، سيطرة بالاستقواء بالمحاور وزرع فتن لتقويض المصلحة العامّة والسلم الاهلي والحياد والتنوع الثقافي ورغيف الخبز، إغتيالات وقتل متعمّد دون مُحاسبة فالمسؤولين لن يُحاسبوا أنفسهم، خرق للدستور والقوانين، لا إحتراف، لا توزيع عادلا، لا تقاعد للجميع، سرقة للمال العام وإفلاس للخزينة العامة وما زالوا يتقاضون رواتبهم، إقتصاد ريعي غير مُنتج يأخذ من القطاع الخاص ويستدين ليدفع سلسلة الرواتب والأجور لمؤسسات الدولة والطبقة السياسية التي أفلست لبنان،

 لا تدقيق ماليا لا رقابة لا شفافية عن العجوزات، جهل و فقر مُدقع,لا عدالة، فسق وفُجور و سلاح مُتفلت، نهب، تسيّب وهيمنة، إنتهاك لحقوق الإنسان، لا بُنية تحتيّة لا إستثمارات لا تنمية، حُدود سائبة بلا ترسيم كالخاصرة الرخوة ما يجعل البلد محط أطماع كثيرة ومنها التوسّع الإسرائيلي العدو الدائم، تدخّلات خارجيّة اقليميّة ودوليّة، زبائنيّة ومُحاصصة مُذلة، تبييض أموال وإتجار بالمُخدرات والأسلحة والمُتفجرات، والمصرف المركزي كسياسة نقدية لا دخل له بالسياسات الاقتصاديّة والماليّة، إجباره على إقراض القطاع العام غير المُنتج المُتضخّم بالعمالة الزائدة واللاكفاءة على حساب القطاع الخاص وركود إقتصادي زاد من حدّته عامل النزوح الكارثي واللجوء والتجنيس ونهب القطاع العام وتجذّر 'شلوش' أمراء الحرب في مراكزهم منذ عقود، بينما أموال السياسييّن 900 مليار دولار في الخارج لو أستعيدت لنهضت بالبلد وإنتفت حاجة لبنان للإستدانة.

مقاربة عمليّة إعادة بناء الدولة المُستنزفة بالفعل لا بالقول، مُصمّمة لبنانياً على قياس مُجتمعه التعدّدي غير المُتجانس، في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة المُعضلة، تُحتّم على لبنان البدء بامتلاك القوة و تقليص الفجوات لديه. لقد فُك الحصار المالي والاقتصادي عنه وإستعاد الغطاء والدّعم الدولييّن. لبنان على طاولة المُباحثات حسب الموازين الدوليّة القائمة كخيار للبنان بوجه التحديّات. ما هي البدائل عن النظام المُمارس؟ هل حصول هذا التحوّل لوحده يضمن الإستمرار والإستقرار والنهوض؟ ما هي أبعاده وتأثيراته على الشعب والكيان على حدّ سواء؟ عسى أن يؤمن التنفيذ والتطبيق الفعلي للقوانين والتشريعات على أرض الواقع تطوير المُمارسات وسلامة القطاع المالي والاقتصادي و النقدي، و يقضي على الإنتهاك السياسي والظلم باسم الديمقراطية الغير ديمقراطية.

فالديمقراطيّة هي مُشاركة في صُنع القرار. ليست الديمقراطيّة عقيدة ايديولوجيّة فكريّة ولا هي 'دوغما' تتنافس مع الأديان بل هي منهج و نظام حُكم يتأثر مضمونه باختيارات المُجتمعات التي يُطبّق فيها.

إنطلاقا من هذا المبدأ فان الديمقراطيّة صيغة لادارة الصّراع بالمُجتمع بوسائل سلميّة من خلال أسس مُتفق عليها بين جميع أطراف العقد الاجتماعي المُتجسّد بدُستور مُلزم للجميع يحترم الحريّات والتعدّدية وفصل السلطات وقيام أحزاب سياسيّة تتنافس على أساس برامج واضحة للحُكم لتحقيق الصالح العام، تضمن تداول السلطة في الدولة حيث الشعب مصدر السّلطات، مُواطَنة كاملة دون تمييز، ضمانة إستمرار المُمارسة الديمقراطية عند وصول الأحزاب الى السّلطة. لكي تعتبر دولة ديمقراطيّة، على زعائمها أن يُنتخبوا بإنتخابات تنافسيّة وعادلة، أن تؤمّن حريّات ، أن تضمن إحترام القوانين. ضرورة تمتّع الدّولة بنظام إقتصاديّ رأسماليّ ومُجتمع مدنيّ فاعل وقويّ وثقافة مدنيّة. بحسب جامعة ستانفورد ، الديمقراطيّة نظام حكم :

-تُطبّق فيه القوانين بشكل مُتساوٍ.

-نظام فصل السّلطات وتداول السلطة سلمياً. لفترة مُحدّدة.

-تعدّدية الأحزاب لا حزب واحد حُرية إعلام حقوق مدنيّة و إقتصاديّة.

- تتيح للشّعب إختيار حُكّامه ومُحاسبتهم على سياساتهم وسُلوكهم في المناصب العامّة. الشّعب يختار من يُمثّله بالمجالس التّمثيليّة، ومن يرأس الحكومة، بالإختيار بين الأحزاب المُتنافسة بالإنتخابات الدوريّة، الحُرّة. تُراقب الإنتخابات سُلطة حياديّة مقبولة من كافّة الأطراف تضمن نزاهة الإنتخابات.

-تلتزم بالإعلان العالمي لحقوق الانسان.

الديمقراطية التوافقية Consociational democracy في المُجتمعات التعدّدية Plural society كما في لبنان بحسب هاري أكشتاين خلاف المُجتمع المُتجانس المُندمج يتّصف باجماع الرؤى والتجانس الثقافي بينما بالمُجتمع التعدّدي عرقي، ثقافي، ديني، اتني وطائفي تباين وإنقسام داخل قطاعات المُجتمع. تعود فكرة الديمقراطيّة التوافقية للمُفكر الهولندي آرنت ليبهارت أطروحته عن النظام السياسي في هولندا تُعبّر عن استراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون بين النخب,يتميز بعدم الاكتفاء بالأغلبية كمعيار وحيد للحكم و التوافق باشراك الأقليات المُنتخبة في الحُكم, تُحدّد بمميزات أربع هي الحكم بواسطة ائتلاف واسع Grand coalition يشمل بالمجتمع المتعدّد قادة سائر الفئات السياسييّن، مُتّخذا عدّة اشكال كحكومة إئتلافية واسعة بالنظام البرلماني أو في النظام الرئاسي مجلس واسع ذات صلاحيات إستشارية هامة من رئيس وغيره من قادة الفئات الرئيسيين. العناصر الثلاثة الاخرى هي: الفيتو المتبادل يحمي مصالح الأقليات الحيوية أو دور الأكثرية التنافسية، النسبية Proporz للتمثيل و تعيين الموظفين وتخصيص الأموال العامة الإدارة الذّاتية لكل فئة بحل مشاكلها الداخلية الخاصة.

يُلاحظ صاموئيل هنتنغتون أن القرن الماضي مال ضد الطلاق السياسي والإنشقاق المُمكن الذي يدعمه مفهوم تقليدي في نظريّة العلاقات الدولية القائلة بان سبب النزاع هو فقدان حكومة مُشتركة بينما هيدلي بول إعتبر بوجوب التحسّب لمخاطر دولة سيدة مُتعدّدة لمحاولة إحتواء تجمّعات مُتباينة داخل حكومة واحدة. هناك رفض للسلام السلبي الذي يتحقق بفضل أعداء مُمكنين و سعي الى سلام ايجابي داخل مُجتمع مُنصهر مُتجانس. أيضاً نظّر فرنسيس فوكوياما رابطاً الديمقراطية بالحريّات و الحقوق السياسيّة.

و في السياق، مُقابل النظريّة القائلة أن الدولة لا تقوم إلّا بوجود سُلطة لها وحدها حقّ استعمال العُنف، هُناك نظريّة أخرى تدحضها بإعتبار أنه يمكن للعنف أن يدمّر سلطة ما، لكنّه حتماً عاجزٌ عن خلقها. هاتان النظريّتان وغيرهما، تشكّل مجموعة أفكار تطرح إشكاليّة العلاقة بين الديمقراطيّة والسّلطة، مفهومان مُختلفان يسيران جنباً إلى جنب؛ عنف السلطة كقوّة تُستعمل مِن مَن يملكها لإخضاع من يفتقر لها رغماً عن إرادته، أو لإخضاع من يفتقر لها إرادياً. و الديمقراطيّة لدحض السلطة المُطلقة.

العنف لا ينفصل عن السياسة

خضعت هذه العلاقة لمجموعة من الدّراسات الفلسفيّة السياسيّة، بالنسبة لإميل دوركايم 'لا يُمكن لأي سُلطة أن تقوم إلّا في ظلّ وجود تضامن آلي وتضامن عضوي معها'، وهو ما توافق عليه الأكاديميّة البريطانيّة جاكلين روز، بإعتبار أن 'العنف مُدمّر ولا يُمكن أن يكون مُؤسّساً للسلطة أو خالقاً لها، على عكس الديمقراطيّة والمساواة والحقوق التي تؤمّن إإستمرارية السلطة'.

في سياق التطوّر السياسي التاريخي للمُجتمعات، وما تشهده الكثير من الدول من مُحاولات لتغيير السُلطة فيها ديمقراطياً نادرأً وبالعنف في أغلب الأحيان، يتمسّك الفكر السياسي المُعاصر بالسُلطة وبالديمقراطيّة.

وإذا كان إنغلز وكلاوزفيتز يعتبران عُنف السلطة ظاهرة إنسانيّة قديمة، تراها هنا أرندت ظاهرة مُعاصرة. وسيلة يلتجأ لها المُستضعفون، أكثر الوسائل نجاعة بين يدي المُهيمنين لإخضاع المُهيمن عليهم. إذا كان الفهم الماركسي يرجع كلّ فعل عنيف إلى وجود المصلحة الاقتصاديّة وإستمرارها، و إيريك فروم، يؤمن في طبيعانيّة العُنف، فإن هنا أرندت لم تقنع بكلا التّحديدين، لأن إستمرار وجود الحرب، لا يعني وجود غريزة تدميريّة لا يُمكن قهرها، بل لوجود ظُلم يسعى الفرد لنزعه عنه، يختلف عن العُنف المُمارس من الدولة لحماية نفسها من دول أخرى عبر التسلّح وإقامة توازن يضمن عدم وقوع الحروب، كذلك العُنف المُمارس من الدولة داخلياً لحماية السُلطة أو النظام أو الطبقة المُهيمنة. هو يتعارض جوهرياً مع الديمقراطيّة و يقصي السياسة ويُغيّبها تماماً.

يرتبط بأفعال غير سياسيّة في عُمقها مثل التحايل الضبط أو التطويع الإجتماعي، التخدير الإيديولوجي. السُلطة هي الحكم والحكومة التي تُمارس سُلطة الإكراه والإخضاع باسم المصلحة العامّة في الأنظمة المُسمّاة ديمقراطيّة وباسم المُستبد في الأنظمة التوتاليتاريّة، في الأولى يُمارس باسم الأغلبية مُتخذاً شكل الكلّ ضد الواحد، في الثانية لا يقع إلا للدفاع عن السلطان ، أي عندما يكون الواحد ضدّ الكلّ. اذا السلطة تنبثق من إتفاق المواطنين المُبرم بكيفية تلقائية خارج كلّ هيمنة.

ليست خاصيّة فرديّة، بل تنتمي إلى جمع من الناس، تبقى مُنتمية إليه طالما ظل قائماً ولم ينقسم على نفسه. المبدأ الرئيس الذي تنهض عليه الديمقراطيّة الدستوريّة التمثيليّة يقضي بأن السلطة السياسيّة تُسْتَلم. عندما نقول السلطة في يد أحد ما أو في يد هيئة مُعيّنة فإن المقصود ، أن هذا الفرد أو هذه الهيئة تَسَلمت السلطة من الجمع للتصرّف بإسمهم. في حالة الديمقراطية، لا تكون شرعيّة إلا إذا أحالت على سلطة المواطنين وإستندت إليها. وتتميّز السلطة بأن الذين يُطلب إليهم الخُضوع لها يعترفون بها من دون أن يحتاج الأمر إلى إقناع أو إكراه.

في الخاتمة، سنشهد قريبا على دولة جديدة لم تولد بعد لتُخرجنا من الأزمة الإقتصادية وأزمة الحُكم، عسى أن يعي اللبناني مصلحة الوطن والمصلحة العامّة في صراع البقاء، فيتخلى عن عبوديّة الزعيم والطوائف التي جلبت الويلات والإنهيار.

*** سنا سعد - أكاديمية و باحثة بالشؤون الجيواقتصادية والجيوستراتيجية