بين ترسيم الحدود والسيادة - الدكتور شربل سكاف - النهار

السبت , 17 تشرين الأول 2020
+ -

أرسل الدكتور شربل سكاف هذا المقال الذي نشره في 'النهار' لإعادة نشره في 'زحلة بوليتيكس

في السياسة الدولية المعاصرة، تعتبر الموارد الطبيعية عاملاً اساسياً في فهم طبيعة العلاقات الدولية. فالموارد الطبيعية باتت رديفاً للقوة، ومصدراً للنزاعات والحروب. يرى رازميغ كوتشيان (Razmig Keucheyan) ان الموارد الطبيعية كانت دائماً ملازمة للنزاعات في اطار الحروب بين الدول أو الحروب الاهلية. كما يرى مايكل كلير (Michael Klare) أن الحروب بعد انتهاء الحرب الباردة اصبحت اقل إيديولوجية واكثر ارتباطاً مع فكرة السيطرة على الموارد الطبيعية. في حين يقول برتراند بادي ( Bertrand Badie) ان الحروب الاممية (Guerre Interétatique) انتهت لمصلحة حــروب الســيــطرة على الموارد أو السلطة.

بالنسبة إلى دول شرق المتوسط، فإن الاكتشافات الكثيرة للغاز الطبيعي تحمل تحديات داخلية وخارجية مع تبعات على الصعد الاقتصادية والسياسية والجيوستراتيجية. لقد طرحت الاستكشافات المستجدة في شرق المتوسط اشكالية ترسيم الحدود اللبنانية مع كل من قبرص وسوريا و'إسرائيل'. ففي ظل حالة العداء والحرب مع 'إسرائيل' واستمرار الاشكالية الدائمة في صعوبة تحديد الحدود البرية والبحرية مع سوريا والانقسام الداخلي حول طبيعة العلاقة معها، عمدت الدولة الى توقيع اتفاق ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة عام 2007 مع قبرص. صادق البرلمان القبرصي على الاتفاق، في حين لم يصادق البرلمان اللبناني عليها بالرغم من المراجعات القبرصية الكثيرة (الاتفاق لم يُحل على مجلس النواب، ناهيك بالضغوط التركية على لبنان لعدم المصادقة). فبادرت قبرص الى توقيع اتفاق عام 2010 مع 'إسرائيل' نتج منه نزاع حدودي بحري بين لبنان و'اسرائيل'. في حين ان الديبلوماسية السورية وجهت عام 2011 رسالة الى الامم المتحدة عبر سفيرها بشار الجعفري، تعترض فيها على الحدود اللبنانية البحرية المعلنة بموجب المرسوم 6433/2011.

تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولية الاخطاء والتبعات التي نجمت عن اتفاق قبرص. فمن جهة لم يكن الاتفاق تقنياً لمصلحة لبنان كونه اعتمد خط الوسط (Médiane) وذكر ان النقطة 1 هي النقطة الحدودية الثلاثية المشتركة بين قبرص و'اسرائيل' ولبنان، في حين أنها النقطة 23، فاستندت اليها إسرائيل في ما بعد لتكون اساس المشكلة. وانتظر لبنان عام 2011 للاضاءة على الاخطاء المرتكبة في الترسيم بعد ندوة في جنيف نظمتها جمعية ASDEAM ( Association Suisse pour le dialogue Euro-Arabo-Musulman)، كلفت الدولة اللبنانية على اثرها المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO في تموز 2011 القيام بدراسة تقويمية  للحدود البحرية لتكتشف انه يحق لها بمساحة اضافية أبعد من النقطة 23. واعطت دراسة UKHO 3 سيناريوات، يعطي الاول منها لبنان 1350 كلم2 إضافية (خط وسطي من دون أخذ ثقل جزيرة 'تخلت' في الاعتبار)، والثاني 500 كلم2 اضافية (خط وسطي مع اخذ ½ ثقل جزيرة 'تخلت' في الاعتبار)، والثالث 200 كلم2 اذا اعتمد الخط العمودي. فالاخطاء التي وقعت فيها الدولة اللبنانية ادت الى نزاع جديد مع 'إسرائيل' وتوتير العلاقة مع قبرص، علماً انه في ظل الوضع القائم، تبرز صعوبة تطبيق القانون الدولي واعتماد طرق حل النزاعات الحدودية البحرية كون سوريا و'إسرائيل' لم توقّعا اتفاق مونتيغوباي (Montego Bay) الذي ينظم ويرعى كيفية حل النزاعات، علماً ان البرلمان اللبناني أقر في شباط 1994 القانون 295 الذي يجيز انضمام لبنان الى اتفاق الامم المتحدة لقانون البحار، الموقع في تاريخ 10 كانون الأول 1982 في مونتيغوباي جامايكا. 

ولقد حدد القانون الدولي الارض كأحد العناصر المكونة لسيادة الدولة التي لا تكتمل من دون ترسيم حدودها التي هي عنصر اساسي مكون لها وللسلطة الشرعية المعترف بها. وفي ظل صعوبة تطبيق القانون الدولي، برزت الحاجة الى التفاوض الثنائي. فأوجد النزاع البحري سبباً اضافياً لتدخل القوى الكبرى بصورة مباشرة مع امكان ان يكون عامل سلام أو نزاعات. فبادرت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2011 الى القيام بوساطة فاعلة من اجل حل النزاع البحري بين لبنان و'إسرائيل' عبر موفدها  Fred Hoff الذي اقترح مشروع حل يقوم على اعطاء لبنان 500 كلم2 من المساحة الاجمالية المتنازع عليها والبالغة 860 كلم2 نسبة الى النقطة 23. واستكملت الوساطة حتى يومنا هذا عبر مجموعة من الموفدين المتعاقبين. في حين ان روسيا عززت دورها ووجودها العسكري المباشر في شرق المتوسط مع بدء الحرب السورية عام 2011، فضمنت حصرية التنقيب عن الغاز في البحر السوري والمشاركة في التنقيب في البحر اللبناني عبر ائتلاف الشركات الذي تقوده شركة TOTAL الفرنسية ويضم Eni  الايطالية و Novatek الروسية. أما الاتحاد الأوروبي الذي يجد في المنطقة امتداداً لنفوذ تاريخي متجدد، فحضوره الفاعل اقتصادياً وثقافياً ومشاركته العسكرية في 'اليونيفيل' تمت ترجمته عبر المشاركة الفاعلة لكبرى شركاته النفطية في الاستكشاف والتنقيب في كل من لبنان وقبرص ومصر، مع العلم ان اولوية الاتحاد الأوروبي تبقى في تنويع مصادر الغاز الطبيعي للتخفيف من الاعتماد في شكل رئيسي على الغاز الروسي. وبرز الصراع على 'بوابة' المتوسط الغازية بين مصر وتركيا مع أرجحية واضحة للاولى تجلت في اكتشافات مهمة في بحرها، وبناء معامل لتسييل الغاز ذات سعة تتخطى حاجة مصر، وتشكيل منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم 7 دول والذي تحوّل أخيراً الى منظمة اقليمية مقرها القاهرة.

ومع الاعلان عن بدء التفاوض بين لبنان و'اسرائيل' في رعاية الامم المتحدة ومشاركة واشنطن، أصبح ملف ترسيم الحدود مرة جديدة أداة يتم من خلالها تبيان قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة سيادتها من خلال ادارة ملف شائك متعدد الأبعاد التقنية والسياسية بمعزل عن مصالح المحاور الاقليمية وضغوطها المعرقلة، والتي حولت السيادة الى سيادة 'نسبية' تراعي مصالح الغير على حساب المصلحة العليا للدولة. وستجد القوى السياسية نفسها امام تحد جديد لتجاوز الخلافات للسير قدماً في الاتفاق، علماً ان الانقسامات والتوازنات الطائفية طبعت كل مراحل ملف النفط سابقاً.

ومع تحول الغاز الى اداة جيوبوليتيكية اساسية، تُرسم دوائر نفوذ وأحلاف جديدة في المتوسط والمنطقة، سيكون على لبنان الاختيار في ما بينها، ويبقى الاهم اليوم هو حسن ادارة الملف للاستفادة من الثروات الطبيعية واعادة تحفيز الاقتصاد المتهالك ومتابعة مراحل الاستكشاف في البلوكين 4 و9 ومتابعة دورة التراخيص الثانية على أمل الاعلان عن اكتشاف تجاري في البلوكات اللبنانية.